خطورة السلع المستوردة على المنتج المحلي

تتحدد قوة الدولة الاقتصادية وفق معايير أهمها: زيادة وتطور واستمرارية الأنشطة الصناعية والزراعية والتجارية, وطبيعة السوق التي تقول: إن وفرة المعروض تؤدي على انخفاض السعر؛ فإن الفلاح والعامل والتاجر يعرف ذلك, ويتعامل معه على أنه شيء من المسلمات, فالفلاح يعلم أن المحصول الذي يزرع باكرًا يحصل على سعر مرتفع, نتيجة ندرة المعروض في بداية الموسم..

هذا طبيعي جدًّا, وكان كل شيء يسير طبيعيًّا في العالم القديم وفق هذه المنظومة التقليدية, ولم تكن هناك مشكلة؛ فالمعروض قليل, والسلع نفسها محددة؛ فلم يكن هناك سلع كمالية أو تنوع في الإنتاج.

وبظهور الثورة الصناعية وزيادة المنتجات الأساسية والكمالية, وتوفر المعروض منها فوق الوصف, وتعقد النظام الاقتصادي, ظهرت الحاجة إلى فتح أسواق جديدة, وكان الاستعمار تماشيًا طبيعيًّا مع هذه الثورة الصناعية, وكان يستهدف عدة أشياء؛ منها: الهيمنة الثقافية, ولكن الأكثر تأثيرًا والأسرع والأبعد أثرًا هو الهيمنة الاقتصادية, عن طريق فتح أسواق جديدة لاستيعاب السلع المنتجة بغزارة من مصانع الدول المستعمرة والمحتلة؛ بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال.. حتَّى اضطرت بريطانيا لشن الحرب القذرة المشهورة بحرب الأفيون ضد الصين؛ لإجهاض نموها وإبقائها دولة مستهلكة, عندما رفضت الأخيرة فتح أسواقها أمام المنتجات البريطانية.

الأمر الثاني الذي تستفيده الدول الصناعية من السيطرة على الدول المستهلكة أن الأخيرة أرض بكر لم تستنزف ثرواتها الطبيعية, كما أنها غنية بالبترول ومصادر الطاقة, التي تؤمن احتياجات الدول الصناعية الكبرى من هذه المصادر الكافية لتشغيل مصانعها.

من هنا تتضح خطورة السلع المستوردة على المنتج المحلي؛ فالمنتج المحلي يبقى سعره قويًّا طالما لا توجد منافسة من السلع المستوردة؛ إذ لا يتوفر غيره في السوق, والعكس صحيح؛ فيتعرض المنتج المحلي لتدني السعر, وأحيانًا تتوقف المصانع المحلية عن الإنتاج؛ نتيجة الانخفاض الشديد في سعر المنتج, مقارنة بسعر المنتج المحلي الذي يختلف عنه طبعًا في الخامات والكفاءة والجاذبية الشكلية.

وتنفق الدول الصناعية الكبرى الكثير على التسويق والدعاية لمنتجها المحلي, وتتدخل عسكريًّا في الدول المستهلكة لإجهاض أي محاولة للارتقاء بصناعتها, أو قد تتعرض لحرب عنيفة نتيجة تبنيها لسياسات من شأنها الحد من سيل السلع المستوردة على أراضيها.

منطقة الشرق الأوسط هي أكثر مناطق العالم استيعابًا للسلع المستوردة, وهي تستهلك كمية كبيرة من المنتجات الصينية تحديدًا, التي لا تتوقف الشركات المنتجة لها, ولا حكومة الصين الشعبية نفسها عن دعمها في جميع أنحاء العالم.

وبذلك تدنت قيمة المنتجات المحلية, وتوقفت مصانع محلية كثيرة عن العمل وتعرضت للإفلاس, واختلفت بعض الحرف التقليدية التي كانت قائمة, ومسؤولة عن توفير الدخل للكثير من الأسر؛ ممَّا رفع مستوى البطالة في الدول المستهلكة, وأصبحت تتخبط في مشكلات اجتماعية وسياسية, وانهيارات رهيبة في البنى التحتية, وخطورة مستقبلية على استمرار وحدتها القومية.

كل هذا يبدأ من فتح الأسواق بلا رقابة ولا حدود أمام المنتجات المستوردة, التي رفع الفكر العولمي من سقفها, حتى أصبحت دول لها تاريخ مهددة بالتلاشي من ذاكرة العالم والوجود.

Author : فارس السوق

فارس السوق

RELATED POSTS

Comments are closed.